محمد جواد مغنية
153
في ظلال نهج البلاغة
ونهاية هذه تماما كنهاية العمارة والبناية ، فينقلب أعلى الكون على أسفله ، ويرتفع أسفله إلى أعلاه ، وتتطاير الجبال في الفضاء ، وتهوي كواكب السماء نحو الأرض ، ويصطدم بعضها ببعض ، فتصير يبابا وهباء ، وتندلع البحار والأنهار شرقا وغربا وهنا وهناك حيث لا ممسك لشيء ولا جاذب . وتسأل : ان الجذب في المادة طبيعي وحتمي ، وإذن كيف يختل التوازن ويخرب الكون مع وجود القوة الجاذبة . الجواب : ان جاذبية المادة حق لا ريب فيه ، ولكن التوازن بين الأجسام لا يعتمد على مجرد الجاذبية ، بل عليها وعلى وضع كل جسم مقابل في المكان المقرر له ، فإذا حاد عنه انفرط العقد ، وزال النظام : ولو كانت الجاذبية بمفردها كافية وافية لكنا في غنى عن البناء والهندسة وكثير من العلوم والفنون ، وقال أهل الاختصاص : لو انحرف أي كوكب عن مداره ، أو سار أكثر من سرعته لاختل التوازن ، وتناثرت الكواكب في كل مكان . ( وأخرج من فيها فجددهم بعد إخلاقهم ) . بعد عملية تدمير الكون يحيي سبحانه أهل القبور من الأولين والآخرين ( وجمعهم بعد تفرقهم ) . فرق الموت فيما بينهم ، وأيضا فرق أجزاء كل واحد منهم : وربما كان بين الجزء والجزء مسافات ، أو تحول إلى تراب ، والتراب إلى نبات ، وقد يأكل الحيوان إنسانا ، ويصير جزءا من جسمه ولحمه ودمه . . ومع هذا فإن اللَّه سبحانه على إعادته لقدير ، وتعرف هذه الشبهة بشبهة الآكل والمأكول ، وأجاب عنها من أجاب بأن الجسم هو الذرات الأصيلة التي تكوّن الجسم منها في بدايته ، وهي لا تتغير ولا تتحول ، وأشرنا إلى هذه الشبهة في كتاب « التفسير الكاشف » ، وكتاب « فلسفة التوحيد » ، وفيما تقدم من هذا الشرح - كما أرجح - . ( ثم ميّزهم لما يريد من مسألتهم إلخ ) . . أخرجهم سبحانه من قبورهم دفعة واحدة ، ولا يخفى عليه واحد منهم على كثرتهم ، ويعلم كلا باسمه وشخصه ، وما فعل وترك ، وأسرّ ، وأعلن حتى نظرة الطرف وخفقة القلب . . انه بها خبير عليم ، وعلى أساس هذا العلم يكون الحساب والسؤال ( وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء ) كما قال سبحانه : * ( يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ